Movie review score
5
هـى ثلاثـة أمور لابـد منها لكل أمة تريد النهـوض : أن تـتـعرف أعداءها لتحذرهم . وأن تهتدى إلى أحبـابها لتسـتـخلصهم . وأن تضع المنهج الحازم الحكيم للنهضـة لتسير عليه فلا تـلتـوى بها الطريق ... والأمة التى لا تعرف أعداءها ، تقع فى خديعـتهم وتـقول بعـد ضياع الفرصـة : (( أكلت يوم أكل الثور الأبيـض )) ... والأمة التى لا تعرف أحبابها تضعف قوتها بيدها وتـندم حيث لا ينفع الندم ... والأمة التى لا تضع منهج نهضتها تتخبط فى سيرها فلا تـتـقدم خطوة واحدة وقـد تـتأخر خطوات كثيرة .
وهـذه الأمة المحبوبة المفداة تسير الآن إلى النهضة سيراً حثـيـثاً ، وتبـدو فى كل مظاهر حياتها دلائل الفتوة والحياة ولكنك ترى إلى جانب ذلك ما يخيفك على مستـقـبل هـذه النهضة من جهلها بأعدائها واستسلامها لهم وغفلتـها عنهم ، ومن جهلها بأحبائها ونفورها منهم وابتعادها عن الثـقة بهم والإخلاص لهم ، ومن تراخيها فى تحديد نقاط المنهج الذى تسير عليه ، وتوضيح الهـدف الذى ترمى إليه .
...
أَذكـر أن الجامعة الأمريكية أقامت حفلاً فى يوم من الأيام ، كان من خطبائه الأستاذ جفرى الذى أساء إلى الإسلام وعرَّض بـنـبى الإسلام فى دروسه وكـتـبه ، فأجاب دعـوة الجامعة فى هذا الحفل كثـير من كبار المصريين وعظمـائهم وفيهم التـقى الصالح والمسـلم الغيـور . ولا يزال أبو العطاء الجالنـدهرى وعبد الجليل سعـد ، وأمثالهما من دعاة القاديانيـة والبهائيـة وغيرهما عند كثير من الناس مبشرين إسلاميـيـن ؟! وذكرتْ أحـدى الصحف أن عضواً فى جمعية إسلامية عاملة ظل عضواً فى جمعية الشبان المسيـحيـيـن زمناً طويلاً ، وغير ذلك من المثل الكثير نحن فيه أحد رجلين إما جاهلون بأعدائنا ، وإما ضعفاء حتى عن التحكم فى عواطفنا ومسالكنا الشخصيـة .
وكثيـر من المصلحين ولا أحب أن أعرض لأسمائهم مرموق من الأمة بعين الحـذر والإشتـباه وأقسم أن أحدهم ينـفق قوته وقوت أولاده فى خدمته أمته ، وقـد يـبـيـت طاوياً ، ويصبح بـيـتـه خاوياً وهو بذلك جـد سعـيد . بل إن أحدهم ليذكر ما وصلت إليه الأمة فيـتحـدر دمعـه كسحب الغمام ويقضى ليله ساهراً مفكـراً والناس نيام ، ويتفطر فـؤاده أسى وأسفاً والخليون هجـع ، ثم هو بعـد ذلك عنـد الناس نفعى غشاش !
...
وإنما كان هذا التناقض فى الأمة عن أحد أمور منها الإغترار بالظواهر وسهولة الإنخداع والإستسلام ، فكل من ظهـر بمظهر يتـفق مع ميولنا وأغراضنا فهو حبـيب تجـوزعلينا حيلته وتـنـطلى خديعـته وإن كان وراء مظهـره الداء الدوى وكل من ظهر بمظهـر يتجـافى مع أهوائـنا فهـو عـدو يُحـذر وخصم يُهـدم وإن كان وراء مظهره الحب الدفـين والإخلاص الكميـن ، فما أحوجنـا إلى بعـد النظر وعمق التفكيـر وصحة التـقـدير وترك الحكم بالظـواهـر والنـفـوذ إلى الحقائق وأن يـقوم منا من يمـيز لنـا بين العـدو والصـديق .
وشـئ آخر ذلك هو تأصل خلق المجاملة ولو بغير حق فى نفوسنا ، فترى أحدنا عظيم الخجـل شـديد الحياء من أن يقـول للمخطئ أخطـأت أو أن يقابل عدوه بمظهر من مظاهر العداء بل هو دائماً يعـوِّل على الأنكار القلبى وهو أضعف الإيمان . وأخلاق المؤمنين غير ذلك فهـم مطالبـون بأن يأمروا بالمعروف وينهـوا عن المنكر ويقـيموا ميزان العـدل ويأطروا أهل الباطل على الحق أطراً .
...
ثم إنك إذا قابلت قـادة الفكر فى هـذه الأمة وربابنة النهضة فيها ثم سألت كلا منهم عن رأيه فى المسلك الذى يوصل إلى الغاية لرأيت تباينـاً عجيبـاً وتـناقضـاً غريـباً بل إنك لو سألت فى ذلك أفراد الناس لأدهشك ما ترى من بعد الشقة بين الآراء والأفكار . هـذه الحيـرة فى الهـدف وذلك الإختـلاف فى الوسائل تُضعـف قوة الأمة وتُذهب ريحها وتُـفرق جهـودها بل تجعلها متعاكسة يبطل كل منها الآخر فلا تصـل إلى شئ أبداً .
لهـذا كان من أول واجباتـنا أن تحدد المنهج تحديداً دقـيقـاً مضـبوطـاً ثم تزن الناس بميـزانه فكل من أعان عليه فهو حـبـيـب له كل ما للأحبة من مجاملة واحترام وكل من عطله أو ناوأه فهو عـدو له كل ما للعـدو من لـدد وخصام ، وهـل الإيمان إلا الحب والبغض .



