Movie review score
5


يجد مبدأ القومية من زعماء الأمم وقادة الشعوب من يناصره ويقدسه ويبثه بكل وسيلة فى نفوس الناس ويضع المناهج والبرامج لينشأ الجيل القادم جيلاً مقدساً لقوميته معتزاً  بعصبيته . فهيتلر ينادى فى أمته : ألمانيا فوق الجميع ، ومصطفى كامل ينادى فى أمته : تركيا فوق الجميع ، وموسولينى ينادى فى أمته : إيطاليا فوق الجميع . ولا يقفون عند النداء بل يستخدمون التاريخ والذكريات والقوة إذا احتاج الأمر فى تـثـبـيـت هذا المبدأ فى نفوس شعوبهم.
ويرتفع مع هذا صوت الفلاسفة وعلماء الاجتماع وبعض السياسيين يوضحون للناس خطر التمسك بمبدأ القومية وضرورة التشبع بمبدأ العالمية ونسيان فكرة الوطن الخاص ، والعنصرية الجنيسة .
ومصر ـ التى تعودت تقليد الغرب ، والإعجاب بنظمه وبرامجه ـ تـقـف على مفـتـرق هذين الطريقين ، فتارة تسمع فى جرائدها من يحبذ القومية وأخرى تسمع من يهـيـب بها  إلى العالمية ، ويدلى كل منهما بأدلته وبراهينه .
اسمعوا يا قوم ، أما مبدأ (( العالمية )) فهو وإن كان مبدأ الإنسانية والسلام والخير العام إلا أن أمم الغرب وحكومات الاستعمار جعلته شبكة تصطاد بها ضعاف العقول ، وتكسر به حدة المقاومة عند الشعوب المظلومة حتى تكون لقمة سائغة لها . وما دامت الأمم الغربية تعتقد فى أمم الشرق الحطة والجهالة والذلة والمهانة وتترفع عن الاختلاط بها وتظن أنها من طينة غير طينتها ، وكل ما تريده منها أن تمتص دمها وتـنـتـفع بخيراتها وتستخدم أبناءها فى قضاء شهواتها السياسية ومآربها الاستعمارية ما دامت أمم عل هذه الروح الفاسدة مع ما بينها هى نفسها من التباغض والتحاقد ، فإن مبدأ العالمية عند الشرقيين من أخطر المبادئ على حياة أممهم .
وأما مبدأ (( القومية )) فهو مبدأ خطر كذلك لا ينتج إلا الشرور والآثام والحروب والتخاصم والتنافس والتزاحم فإذا كانت كل أمة تدعى أنها سيدة الجميع وتعمل إلى الوصول إلى هذه السيادة فمتى تهدأ الثورات أو يسود السلام وها نحن نرى نتائج تمسك أمم بهذا المبدأ فى مؤتمراتهم التى لم يفلح واحد منها حتى الآن ذلك إلى أنه غير طبيعى لأن العالم يسير إلى الوحدة والاتصال وكل من صادم الطبيعة لابد أن يزول .
فكلا المبدأين بالنسبة لمصر وللشرقيين ضار غير ملائم لهم فالعالمية مع جمالها النظرى قضاء عليهم والقومية مبدأ خاطئ من أساسه ، فإذا وفـقـنا إلى تربية النشئ وتكوين نفوس الأمة على مبدأ يضمن لنا حب الخير العام والسلام والعمل لفائدة الأمم جميعاً . وذلك كل ما فى العالمية من جمال . ويضمن لنا مع ذلك التمسك بعزتـنا والدفاع عن حوزتـنا والزود عن أوطاننا ومقدساتـنا ـ وذلك كل ما فى القومية من فائدة ـ كنا قد وصلنا إلى خير كثير وأخذنا من كلا المبدأين فائدته وتجنبنا ضرره وبرئنا من وصمة التقليد وفضلنا الغرب الذى تلعب به الأهواء والشهوات ودللنا على عملنا هذا على أسمى معنى من معانى الاستقلال النفسى .
ولا أدرى لماذا نذهب بعيداً وهذا المبدأ بين أيدينا أرشدنا إليه العزيز الحكيم فى كتابه الكريم وهو الذى يعلم مصالح عباده ويرشد خلقه إلى أقوم السبل فى حياتهم المادية والروحية معاً ذلك المبدأ الذى يجب أن ينشأ عليه أبناؤنا وتتربى عليه نفوسنا هو مبدأ (الأخوة الإسلامية) الأخوة الإسلامية التى قررها القرآن الكريم فى قوله تعالى : { إنما المؤمنون أخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا اللَّـه لعلكم ترحمون } (1) . وقررها النبى e فى قوله : (( المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم ، كل المسلم على المسلم حرام  ماله ودمه وعرضه )) رواه الستة إلا النسائى وورد بها كثير من الآيات والأحاديث .
إننا إذا تمسكنا بهذا المبدأ قويت رابطتنا النفسية وقويت رابطتنا بالأمم الشرقية وعاصمتنا العقيدة من الاستكانة للغاصب والخنوع للذل والاستعباد .
وقد يقول قائل أن الأمة الواحدة من أمم الإسلام تضم عناصر مختلفة تدين بغير دين الإسلام فلا يوجد بين أفرادها إلا الجنسية القومية والجواب على ذلك أن سماحة الإسلام تجعل بره وصلته تتسع لأبناء قومنا وإن كانوا على غير ديننا كما قال تعالى : { لا ينهاكم اللَّـه عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن اللَّـه يحب المقسطين } (2) . بل إن تعاليم الإسلام تقضى على أبنائه أن يكونوا من أهل التعاقد معهم سواسية لهم ما لهم وعليهم ما عليهم ؟
إننا إذا جعلنا مبدأ الأخوة الإسلامية هو مبدأ التربية عندنا وأساس مناهجنا ونظمنا خدمنا أنفسنا وخدمنا العالم الذى يسير إلى الإسلام بخطوات واسعة ، وخدمنا الحضارة المدنية اللتين لن تجدا ديناً يتمشى معهما ويكمل ما نقص من مظاهرهما غير الإسلام ، وبنينا الجيل القادم على أقوى دعامة وأمتن أساس فلنكن شجعاناً فى التحرر من نير التقليد الأجنبى ولو مرة واحـدة .

Leave a Reply

Share